ليليث : أسطورة الأنثى المتمردة



ليليث هي شيطانة العواصف من بلاد الرافدين التي ترافق الرياح فتجلب معها المرض والموت، برزت شخصية ليليث للمرة الأولى في حوالي 3000 قبل الميلاد كشيطان أو روح مرتبطة بالرياح والعواصف فعُرفت باسم " ليليتو " في سومر ويُرجح العديد من الباحثين أن التركيب اللفظي لاسم ليليث يرجع إلى العام 700 قبل الميلاد فتظهر في المعارف اليهودية باعتبارها شيطان الليل أو كبومة نائحة في طبعة الكتاب المقدس الملك جيمس.

ينطق اسمها في اللغة العبرية بلفظ " ليليث " ، وفي الأكادية القديمة بلفظ " ليليتو " ، وهما صفتا نسبة مؤنثتان من الكلمة ذات الأصل السامي " ليل " Lyl والتي تعني الليل ، وتترجم حرفياً إلى: " كيان ليلي أنثوي " ، على الرغم من إشارة النص المسماري إلى ليليت وليليتو باعتبارهما أرواح ريح حاملة للمرض. . وقد تشير الكلمة الأكدية لي-ليتو ( سيدة الهواء ) إلى الربة السومرية نينليل (سيدة الهواء)، ربة الرياح الجنوبية وزوجة " إنليل " .

نشأة الاسطورة

ظهر اسم ليليث في رقم طيني ( قرص ) سومري من مدينة ( أور ) يعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد ويحكي عن أن إله السماء أمر بإنبات شجرة الصفصاف على ضفاف نهر دجلة في مدينة أورك وبعد أن كبرت الشجرة اتخذ تنين من جذورها بيتاً له بينما اتخذ طائر مخيف من أغصانها عشاً له لكن في جذع الشجرة نفسها كانت تعيش المرأة الشيطانة ليليث ، وعندما سمع (جلجامش) ملك أورك عن تلك الشجرة حمل درعه وسيفه وقتل التنين واقتلع الشجرة من جذورها فهربت ليليث إلى البرية . ويبدو أن شجرة الصفصاف بالنسبة لـ ليليث كالتابوت لمصاصي الدماء .

تنتمي أسطورة "ليليث" إلى أصول تاريخية قديمة جداً، فهي تتصل ببابل القديمة، حيث كان الساميون القدماء يتبنون مجموعة من المعتقدات الخاصة بأجدادهم السومريين، كما ترتبط بأكبر أساطير الخلق. هناك روابط متينة تلصقها بالثعبان الذي يدعى تيامات Tiamat، إنها بقايا ذكريات طقس قديم جداً كرّم أكبر إلهة سميت كذلك بـ " الثعبان الأكبر " و "التنين"، أو القوة الكونية للخلود الأنثوي، والتي عُبدت من خلال هذه الأسماء: عشتروت ، أو عشتار ، ميليتا ، إنيني أو إينانا .وقد كشفت نقوش في الآثار البابلية ( مكتبة آشور بانيبال ) عن أصول ليليث، البغي المقدسة لإنانا، والآلهة الأم الكبرى، التي أرسلت من قبل هذه الأخيرة كي تغوي الرجال في الطريق، وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة، كان الاضطراب واقعاً بين " ليليث " المسماة " يد إنانا "، والإلهة التي تمثلها، والتي كانت هي نفسها توسم أحياناً بهذا اللقب " البغي المقدسة ".

لاسم " ليليث " جذر لغوي في الفصيلة السامية والهندو أوروبية. فالاسم السومري " ليل Lil " الذي نجده ممثلاً في اسم إله الهواء " أنليل " يدلّ على: " الريح " و" الهواء " و" العاصفة " إنه الريح الحارة (بحسب المعتقد الشعبي ) الذي يعطي الحرارة للنساء أثناء الولادة، ويقتلهن مع أطفالهن. عُدّت " ليليث " في البداية باعتبارها من أكبر القوى المعادية للطبيعة تتصدر مجموعة مكوّنة من ثلاثة آلهة: أحدهم ذكر والاثنتان أنثيان: " ليلو " و " ليليتو " و " أردات ".

آدم و ليليث
ليليث هي شخصية معروفة فى كتب اليهود (الزوهر ، بن سيرا) حيث تقول الاسطورة أنها كانت الزوجة الأولى لأدم عليه السلام قبل حواء وتختلف الروايات بالحديث عن ليليث ولكن أشهر الروايات تقول أن ليليث هى المرأة الاساسية التي خلقها الله مع آدم من الأرض ولكنها لم ترضى بسيطرة ادم عليها فهربت منه وأصبحت معشوقة الشيطان وكانت تلد له في اليوم 100 طفل. فاشتكى آدم لله لما فعلته ليليث فأرسل إليها ثلاث ملائكة لإرجاعها ولكنها رفضت الرجوع فتوعدوها بقتل 100 طفل من أطفالها كل يوم ومنذ ذلك اليوم تعهدت ليليث أن تقتل أبناء البشر.

كما تصور ليليث أيضاً على أنها الحية التي أغوت ادم وحواء للأكل من الشجرة المحرمة . كانت أيضا توصف بأنها جميلة جداً وتمتلك صفات مغرية حيث يقال أنها كانت تتجسد ليلاً أمام الرجال لكي تغريهم ثم تقتلهم وكانت ليليث تلقب بـ ( قاتلة الأطفال ) لها أجنحة ومخالب وتأتي ليلاً لقتلهم .

غالباً ما يعاد طباعة كتاب شائع حول تقاليد الكابالا ومنها تعويذات وصيغ سحرية كتعويذة للحماية من ليليث المأخوذة من سفر رازيل. ومن قصتين من قصص خلق الرجل والمرأة من قبل يهوه ( يهوه: اسم الرب عند العبرانيين) في الإصحاح 1 و2 من سفر التكوين حيث ستولد أسطورة ليليث في العصور الحديثة: المرأة الأولى المخلوقة، التي تنطق بالـ" اسم غير المُعَبَّر عنه " والتي يزودها بأجنحة تمكّنها من الهروب من جنّة عدن لتفارق آدم إلا أنها لم تتوقع أن يقتفي أثرها ثلاثة من الملائكة هم (سينوئي) و (سنسنوئي) و (سامينجيلوف) فيجدونها عند البحر الأحمر ويطلبون منها العودة، لكنها تأبى ذلك وترتبط بالشيطان وتلد منه فيتوعدها الملائكة بقتل أولادها، فتحقد على حواء وذريتها وتقتل أبناء حواء من البشر وهذا يرجع إلى غيرتها منها خاصة أن حواء خلقت من طين لكي تكون بديلاً عنها مع آدم.

مأوى ليليث
مع أن  ليليث لم تذكر بالاسم في الكتاب المقدس فإن هناك إشارة إلى ما قد يكون مأواها حيث نجد في  العهد القديم - كتاب الرسل-  إشعيا - الإصحاح 34 في نهاية أدوم التي تتحول بفعل غضب يهوه (الرب)  إلى كتلة نارية من القار (الزفت) والكبريت. وقبل أن تصبح مكاناً قفراً لا يستطيع أحد إجتيازه إلا البجع والقنفذ وطائر البوم والغراب، وكلها ستتخذ من هذا الخواء مأوى لها كي تجد الهدوء برفقة القطط المتوحشة، والضباع والساتير (ذكر الماعز ذو اللحية). والأفاعي السامة والنسور.

وذكر أيضاً مأوى ليليث في كتاب الزوهر (الزوهر : مجموعة من الكتاب في التصوف اليهودي يتناول فكرة الكابالا ) : " عندما كان الشخص المقدس المبارك الذي جلب الدمار لروما الشريرة وحولها إلى خراب ليصل للحياة الأبدية فإنه سيقوم بإرسال ليليث هناك ويجعلها تستقر في هذا الخراب لأنها خراب العالم و هذا ما يشير إليه العدد و هناك سوف تستقر ليليث و تجد لنفسها ملاذا للراحة " - ( أشعياء 34: 14).

تعويذة للحماية من ليليث
وصفت ليليث كوحش مخيف حيث كانت الأمهات تضع تمائم لأطفالهن الصغار عليها أسماء الملائكة الثلاث المذكورين في الأسطورة لإعتقادهن أن ليليث تخاف من هذه الأسماء وتهرب منها وهم (سينوئي) و (سنسنوئي) و (سامينجيلوف) فكانت تلك الأسماء جزء من تعويذة أو حجاب لحماية النساء في مرحلة الولادة والأطفال حديثي الولادة من الأرواح الشريرة ، وفي هذه الحالة تحميهم من روح ليليث .

- يقول الحبر ( جوده ) مستشهداً من قوانين صاموئيل : " إذا حدث إجهاض مشابه لما حدث لـ ليليث تكون الأم غير طاهرة بسبب الولادة حيث أنه يكون طفل و لكن له أجنحة " . و أيضا من المعتقد أن الحبر ( جوس ) ذكر أن ما حدث في سيموني أن امرأة أجهضت كما حدث لـ ليليث و عندما عرضت القضية على القضاة حكموا بأنه بالفعل طفل ولكن له أجنحة .

- هذه الاعتقادات إستمرت لقرونِ. متأخره كالقرن الثامن عشر وهو تقليد معروف في العديد مِنْ الثقافاتِ لحماية الأمهات الجديدات وأطفالهم الذكور بشكل خاص بالتعاويذ ضدّ ليليث فكانوا يرسمون دائرة حول السرير في وسطها النجمة الخماسية ويكتب فيها أسماء الملائكة الثلاث وآدم وحواء وكثير من التعاويذ فى الأركان الاربعة للمخدع وكان الاعتقاد أن الطفل إذا ضحك أثناء النوم كان هذا دليلاً على أن ليليث موجودة وعلى هذا يسارع احدهم بضرب الطفل على شفتيه بأصبع واحد لترحل ليليث.

ليليث في الأدب : رمز للتمرد والإغواء والموت
اهتمّ الأدب على وجه الخصوص بليليث المتمردة التي تضيع نفسها في التأكيد على حقّها في الحرية واللذة والمساواة مع الرجل وكذلك كلّ اللواتي يلتقين بها، كما أنها امرأة شهوانية ومدمّرة تطمح إلى التفوّق وإلى القدرة. يتجلى هذا في دراما ألمانية مؤرخة سنة 1565: " جيتا "، التي تأخذ بعين الاعتبار وجود ليليث من خلال سرد حكاية الطفلة الصغيرة ( جيتا ) أو جوان المرأة الوحيدة التي تعرف بأنها سوف تصبح بابوية.

- في عام 1667 أشار ( ملتون) في " الفردوس المفقود " إلى ليليث مستخدماً اسم " الحية الساحرة " تلك البطلة اليائسة بالنسبة إلى الرومانسيين، و وُصفت باعتبارها امرأة جميلة وشهوانية، بشعر طويل، تقود الآخرين معها في دوامة من الآلام، ومن النكبات والموت.

- في عام 1886 استدعى ( فكتور هيجو) مظهرها البشع كمصاصة دماء، وحاول أن يمزج بينها وبين إيزيس في " نهاية الشيطان " كابنة الشيطان أو امرأة الظلام الكبرى : " هذه ليليث التي نسميها إيزيس على ضفة نهر النيل..إنني ليليث ـ إيزيس ، الروح السوداء للعالم".

- في الفترة 1870-1881 قام بإخفائها( دانتي غبريال روسيتي) أمام ملاك الحرية في " بيت الحياة " وصنع من ليليث جنية مغوية، المرأة المدمرة الخالدة بكل سحرها الذي لا يقهر والجهنمي. توقظ بما تمتلكه من خوارق عند الرجال حسّ المغامرة وتقودهم نحو ضياعهم. وتتجلى بالصورة نفسها في الأعمال المعاصرة نهاية القرنين التاسع عشر والعشرين.

- في عام 1892 استعاد ( ريمي دوغورمون ) في مسرحية " ليليث " القصة التقليدية الكاملة للخلق، كما جاءت في النصوص المقدسة اليهودية ولكن بطريقة هزلية مذهبية وغرامية مرتبطة بوجهة نظر متشائمة للحياة الإنسانية. لكن رغم الطابع الهزلي لهذا العمل، فإنه يبيّن بوضوح أنّ التزامن مع أسطورة ليليث يفتح على الإنسان بحث غير محدّد ، والأصل ومعنى الحياة. وهذا ما يتجلى كذلك في رواية " جورج ماكدونالد ليليث 1895 حيث يُقذف البطل المواجه لـ ليليث في طريق محفوف بالمخاطر في شقاء تلقيني طويل، وبعبارة أخرى يجد نفسه وحيداً ومتردداً.

- في عام 1937 تؤدي ليليث في رواية ( مارك شادورن) التي تحمل عنوان " الإله يخلق أولاً ليليث " دور الجنية والموت واليأس القاتل وقبل الاختفاء يائسة هي دوماً الثائرة المتمردة، لا ندري أين، ربما تكون ميتة وربما لا.

- في عام 1932 يبتكر المحلل النفساني النمساوي فريتز ويتلز Fritz Wittels" عقدة سمّاها " عقدة ليليث "، ولكنها ليست لها علاقة بليليث. حيث أن لأسطورة ليليث وظيفة جوهرية تتمثل في إزاحة الرجال عن طريقها، من خلال تحذيرهم بالخطر الذي تمثله بالنسبة إليهم ولكن يبدو أن وظيفتها الأساسية هي تحذير النساء اللواتي لا تتبعن قانون آدم سيكون مصيرهن الهجر والحزن إلى الأبد . وأتت نهاية أقصوصة ( أناتول فرانس) في بلتزار " ابنة ليليث" من هذه البطلة "معادلة أنثوية للهولندي الطائر" الذي طمح إلى مصير حواء وإلى نتيجة الموت من أجل معرفة الحياة واللذة.

- في عام 1959 فيما يخص " لوليثا في لوليثا " لـ غاليمار اتسع مظهر ملتهمة الأطفال ليليث ليشمل الجدّة الملتهمة التي تلتهم العالم الإنساني بفمها الكبير بجهل، وعنف وموت واسترجعت بعض جمعيات ليليت مع ملكة السابا مظهر ليليث المستبعد خطأ حيث تملأ فراغ الرجل الذي استجاب لإغراءاتها ومواهبها الفاتنة، إنها تقوده في رحلة بحث تعزله عن الآخرين وتدفعه باتجاه صوت مخالف للحياة.

- في عام 1983 تطرق ( لورانس دورال ) لنفس الفكرة في رواية "البابوية جان " ومن قبله ( أوديل إيريت ) في مسرحية مُثّلت في مصنع الذخيرة ( فانسان ) في باريس حملت عنوان : " حكاية البابوية جان ومرافقتها بارتوليا ". وفي الفترة نفسها استلهم (كلود باستور ) رواية عنونها بـ " البابوية " - 1983 .

كما مثلت في طبعة جديدة لـ (بيار جون جوف ) سنة 1983 في مصنع الذخيرة فانسان سنة 1985 ومنحت صورة متألقة لليليث، واضعة بعين الاعتبار كل التعقيدات والموضوعات الأساسية للأسطورة. وما يثير الانتباه هو أنّ المرشدة المزعومة ( لو أندريا سالومي ) في مسرحية " وادكيند " وصفت هي الأخرى من قبل ( فرويد) باعتبارها تمتلك الملامح والخصائص نفسها التي تحيل على أسطورة ليليث.

واقع أم خيال ؟!
مما لاشك فيه بأن أسطورة لبليث على صلة وثيقة في قضية الخلق، فهي أفكار ومعتقدات تنعكس على حياة الشعوب رغم أنها من أشكال الوهم التي تتناقض مع إدراكنا الحسي لها، إنها التعبير الجماعي لتلك الحضارات المتعاقبة سواء كانت دينية أو فلسفية ،فهي دراسة تاريخية وأدبية ووعاء فكري مرتبط بظاهرة لايمكن تجاهلها حيث عبر عنها الفرد والمجتمع بأسلوب اعتمد على محاكاة اللاوعي وتكوين رؤية لكائنات غير موجودة في الواقع المستقل عن حدود ذهنه. حيث أنها لعبت دور الوسيط لهذا العقل بين الأحداث الطبيعية والمعتقدات الدينية .كما أن هذه الكائنات الفوق طبيعية بالنسبة لأفكار الفرد تعتبر المكون لأصل الأشياء الخارقة دون النظر في ماهيتها أو وجودها وعدمه.

من جانب آخر تكون نظرتنا للأسطورة مجرد دراسة تاريخية وفكرية معاصرة لانأخذ منها سوى معرفة التفكير الإنساني في تلك الفترة دون التأثر بواقعها الحالي والذي يعتبر تناقضاً لمفهومنا عن قضية الخلق وخلافة الأرض ورسائل الأنبياء لنا و دور الدين في نفي تلك الاعتقادات والأباطيل الزائفة.
 

طقوس كناوة

 إحتفالية ملوك الجن

تعتبر (كناوة ) طائفة لها أهميتها الخاصة في المغرب من حيث إرتباطها بالمعتقدات السحرية ولممارسة أتباعها طقوس روحية إحتفالية خلال مناسبات سنوية ، و رغم أن المغرب يضم طوائف أخرى مثل عيساوة، وحمادشة، إلا أن تلك الطائفة تبقى الأهم من حيث عدد أتباعها المنتشرون بالآلاف عبر مدن وقرى المغرب،  وتتميز طائفة كناوة بطقوس يمتزج فيها الإرث المحلي الصوفي مع ثقافة الزنوج لها علاقة وطيدة مع عالم الغيبيات و الأرواح والجن وتأخذ طابعاً يمزج بين التراتيل الدينية التي تمتدح الله والرسول وبين الطقوس والتراتيل الخفية ، والبعض يعتقد أنها طائفة ستظل رغم كل ما قيل وكتب عنها على مستوى كبير من الغموض.




نبذة تاريخية 
ينحدر أتباع (كناوة) الحقيقيون في المغرب من سلالة العبيد الذين تم جلبهم خلال العصر الذهبي للإمبراطورية المغربية في أواخر القرن 16 الميلادي من (السوداء الغربية ) التي كانت تسمى آنذاك السودان الغربي وتسمى حالياً دولة مالي على وجه خاص.

ويقول عالم الاجتماع الفرنسي (إميل درمنغن ): " إن الوضعية القاسية لزنوج الشمال هي التي شجعت على ظهور زوايا خاصة بهم للحفاظ على طقوسهم السودانية الأصول (السودان الغربي الذي يعني دول الساحل الإفريقي الحالية)، واستمرار الأنشطة الطقوسية لتلك الزوايا هو الذي شجع على الحفاظ على الوعي العرقي بين الزنوج والتعاضد المتبادل بينهم ".

لقد حمل العبيد الذين سيقوا إلى  الشمال الإفريقي (إلى المغرب والجزائر خصوصاً )معتقداتهم الوثنية في آلهتهم وفي الأرواح البدائية التي لم تلبث أن امتزجت بغيرها من المعتقدات المحلية العربية الإسلامية والبربرية في مفهوم الجن بغية إبعاد كل شبهة قد تحوم بمعتقداتهم والتي قد تحسبهم خارج الملة الإسلامية لذلك انتسب كناوة (روحياً على الأقل) إلى واحد من أوائل معتنقي الدين الإسلامي وهو بلال الذي كان زنجياً مثلهم.

و رغم ممارستهم لطقوس غريبة فإن أتباع الطائفة الكناوية لا يعتبرون أنفسهم خارجين عن تعاليم الدين الحنيف بل إنهم على العكس من ذلك تماماً يبدأون طقوسهم ويختمونها بالصلاة على النبي وذكر الله في كل تراتيلهم. مع أن رجال الدين يعتبرونها "طائفة الشيطان".

- ينطق حرف الكاف في كلمة (كناوة) في المغرب كما ينطق حرف الجيم في اللهجة المصرية المصري أي Gnawa  و تسمية كناوة هي تحريف لحق بالاسم الأصلي الذي كان وهو (كينيا) أو  (غينيا) التي تقع على الحدود الجنوبية لدولة مالي ، أو عبيد غينيا كما كانوا دائماً يسمون قبل اندماجهم التام في المجتمع المغربي، وما تزال " الطريقة الكناوية " متواجدة في العديد من المدن والقرى المغربية، حتى اليوم خصوصاً في مدن مراكش و الصويرة و الرباط و مكناس وهي طقوس تمارس في إطار مغلق وترجع أصولها إلى بقايا من المعتقدات الوثنية الإفريقية التي تعبد الأرواح والبربرية التي امتزجت فيما بعد مع المعتقدات الإسلامية التي قدمت مع الفتوحات العربية  لشمال إفريقيا.

وتحظى مدينة (الصويرة) بمقام المدينة الروحية للطائفة داخل المغرب، فقد كانت الميناء البحري منذ القرن 17 ومركزاً تجارياً مهما يطل على المحيط الأطلسي ونقطة تبادل تجاري مع (تمبكوتو) عاصمة السوداء المسلمة آنذاك وعاصمة مملكة قديمة في أرض (مالي)، ومنها كان يفد العبيد مع الذهب إلى المغرب.

ضريح بلال
يعتبر ضريح "سيدي بلال" الموجود غرب مدينة الصويرة المرجع الأعلى، ومقام (الأب الروحي) لـ كناوة، وداخل ضريح ذلك الولي الذي يحسب في عداد الأولياء مجهولي النسب والسيرة في المغرب، توجد زاوية تحتضن في 20 من شهر شعبان الهجري موسماً سنوياً للطائفة الكناوية وسط طقوس غريبة يتخللها الرقص الهائج المحموم لزمرة الأتباع القادمين من كل مكان داخل وخارج المغرب، وفي الجزائر أيضاً هناك ديوان (سيدي بلال) الذي يعد قبلة الطائفة هناك ، وعلى إيقاع الموسيقى القوية والحارة للمجموعات المنتسبة إلي الطائفة، تخرج نخبة من الإتباع في جولات بين المدن لجمع الهبات والصدقات للزاوية بلباسها الفلكلوري المميز ذي الألوان الحية، خصوصاً الحمراء والزرقاء.

ليلة النصف من شعبان
إن إختيار شهر شعبان له علاقة بالاعتقاد في الجن الذي يشكل أساس طقوس ومعتقدات كناوة، فحسب المعتقد تتحدد مصائر الناس للعام الذي يلي ليلة منتصف شهر شعبان من كل عام إذ يلعب الجن دوراً مهماً (بحسب المعتقد) في تحديد مصائر البشر، ولذلك ينبغي التوسل من ملوكهم (ملوك الجن) لأجل تحقيق أمنيات العلاج وزوال الفأل السيء والنجاح في الأعمال وغيرها من الأغراض قبل أن يسجن الجن جميعهم طيلة النصف الثاني من شعبان، فكائنات الخفاء محكوم عليها (بحسب المعتقد ) أن تقضي الفترة التي تسبق شهر الصيام محبوسة في معازلها الأسطورية ولن تعانق حريتها من جديد إلا في ليلة القدر.

الحفل الطقسي
إن شهرة أتباع (كناوة) كموسيقيين تجاوزت الحدود المغربية، لتعانق العالمية منذ شرع في تنظيم مهرجان سنوي لـ (كناوة وموسيقى العالم) في مدينة الصويرة في شهر يونيو والسر يكمن في أنها ليست مجرد موسيقى عادية، بل هي موسيقى ذات إيقاعات قوية محملة بثقل الأساطير والمعتقدات الموغلة في القدم، ومشحونة بالإرث الحضاري الإفريقي والبربري والعربي.

- إنها تراث موسيقي يناجي الأرواح الخفية ويغازلها،  سليل عذابات الزنوج العبيد في دهور القهر البائدة ، ويُتوسل بالإيقاعات والألوان والقرابين وإحراق البخور وكل الوسائط الخفية الأخرى لكي تعالج الممسوسين بالجن وتعرف بأدوات خاصة،  وهي الكنبري أو السنتير وهي عبارة عن آلة وترية من ثلاثة حبال تصنع من معي المعاز، والكنكة (الطبل)، والغيطة (المزمار) ثم القراقش أو القراقب (صنوج حديدية).

- والعزف الكناوي له هندامه الخاص، كما طقوسه المرافقة التي من دون توافرها لا يكون الحفل الطقوسي مكتمل الشروط والمقاصد ، ومن أهم الشروط التي تتم مراعاتها احترام الألوان الخاصة بـ (الملوك)، أي ملوك الجان الذين يؤمن بهم كناوة وخصوصاً اللونين الأحمر والأزرق حتى لا يغضبوا ملوك الخفاء فيتحول الحفل الطقوسي مدعاة لانتقامهم الرهيب ، فإغضاب (لالة ميرة ) مثلاً  التي تحسب في عداد (ملوكهم) المقدسين، يكون مدعاة للإصابة بالارتعاش والشحوب والجنون بحسب معتقداتهم.

الدردبة : الليلة الكناوية
الدردبة (الليلة بشكل مختصر) هي أهم طقوس كناوة على الإطلاق وهو الحفل الذي يقام على شرف بعض ملوك وملكات الجن حيث يحظى بعضاً  منهم  بالتقديس من قبل أتباع طائفة كناوة مثل سيدي شمهاروش، لالة ملكية، لالة ميرة، لالة جميلة، سيدس حمو، سيدي ميمون. وتمثل الدردبة أيضاً قمة الاحتفال بجلالة ملوك الجن البيض أو كما يحلو للمغاربة أن يسميهم " مّالين لمكان " ، وبحسب علماء الانثربولوجيا فان للدردبة شبها بـ حفلات الزار في مصر وببعض الاحتفالات الطقوسية لدى الفودو في البرازيل وجزر الانتيل بأميركا اللاتينية ، ويجري تنظيم (الدردبة) داخل الدور السكنية الخاصة لبعض أعضاء الطائفة في مواعيد سنوية محددة غالباً ما تكون خلال النصف الثاني من شهر شعبان أو في أوقات أخرى من الأشهر القمرية ، وتستخدم الليلة الكناوية عادة لأغراض استشفائية (أعراض المس مثلاً) أو احتفالاً بمناسبة دينية كـ "شهر شعبان المقدس".


مراحل الدردبة 
تمر (الليلة) بـ 3 مراحل:

1- مرحلة الطواف بالأضحية (القربان)
تنطلق ليلة الدردبة بعد منتصف الليل بتنسيق بين معلم كناوي يكون مصحوباً بفرقته و (شوافة كناوية ) ومساعدتها ، تسمى لدى الشوافة لدى كناوة الجزائريين (التي تأتي الكلام)،  وغالباً ما تكون الأضحية عبارة عن تيس أسود وتسمى هذه المرحلة (العدة) و خلال الطواف بالقربان تنطلق الليلة على إيقاع دقات الطبول وأنغام المزامير و القراقب ،  ويبدو دور المعلم ضابطاً لإيقاع الحفل حيث يأتمر العازفون بتوجيهاته ويقومون خلال المرحلة الأولى باستعراض مهارتهم في الرقص الإيقاعي والحركات البهلوانية، فيبدون وكأن قوى خفية تحركهم. وتكون هذه المرحلة  مفتوحة أي يسمح خلالها بالحضور لغير المنتسبين إلى الطريقة الكناوية.

وتبدأ هذه المرحلة كإعلان عام عن الشروع في إقامة الليلة حيث يطوف خلاله كناوة، في فترة بعد الزوال بمختلف الأزقة و الشوارع والساحات مرتدين "طاقيات" و "فوقيات" مختلفة الألوان مزدانة بالأصداف، مغتنمين الفرصة للرقص على إيقاعات دقات الطبول و "القراقب" حتى تحل فترة "الكويو" (أولاد بامبارا) وهي تعني في العرف الكناوي البدء في الحفل الرسمي لليلة الكناوية، حيث يستغنى فيها عن آلة الطبل لتعوض بـ "الكنبري أو الهجهوج"، ليشرع "المعلم" الذي عليه أن يكون ملما بجميع مراحل الليلة، بالعزف عليه يقوم أثناءه كناوة برقصات انفرادية باستثناء "وجبتين" يقوم فيها 4  كناويين برقص جماعي.

2- مرحلة التصعيد الإيقاعي
في هذه المرحلة يأخذ الإيقاع في التصاعد تدريجياً ، ويغادر الغرباء الفضوليون الحفل الطقسي ليتركوه لأهله فالمرحلة التالية سوف تشهد دخول كناوة في علاقة حميمة مع «ملوكهم» وقد يكون حضورهم خطراً عليهم  بحسب ما يقولون ،  تكون هذه المرحلة  تمهيداً للهياج الجماعي لحضور (الملوك ) وهي مغلقة إذ لا يسمح خلالها بالحضور إلا  لأتباع الطائفة.

وتسمى الطقس في هذه المرحلة بـ "النقشة" وتوظف فيه آلة "القراقب" إلى جانب الهجهوج ويكون فيه الرقص جماعياً ، بعد (الكويو) وبعد استراحة لبضع دقائق تدخل الليلة الكناوية مرحلة ( فتوح الرحبة) يعمل فيها كناوة على توضيب المكان الذي ستجري فيه المرحلة الأخيرة من الليلة لإضفاء طابع القدسية عليه، حيث يتم وضع (طبق) أمام المعلم تحتوي على مختلف أنواع البخور والأقمشة ذات الألوان المختلفة كل لون منها يرمز إلى "ملك" من (الملوك) وتصحب عملية التحضير أذكار وإنشادات ذات دلالة ومعاني متعددة، ليتم الدخول مباشرة إلى القسم الأخير والأساسي من الاحتفال الكناوي والمسمى بـ "الملوك"، وهم في معجم كناوة (رجال الله) أي رجال ربانيون مؤمنون.

3- حضور الملوك
هي المرحلة الحاسمة في الليلة، يكون خلالها الهياج الجماعي قد بلغ أوجه ، وتكون خلالها الملوك قد نزلت بين المحتفلين بها ، يحدث ذلك عندما يصل إيقاع الحفل أوجه، وتعزف فرقة كناوة موسيقى الملوك، يبدأ الرقص الطقوسي طريق الصعود نحو مرحلة الهياج التي ستتوج، والحفل بـ «نزول الملوك» بين الراقصين، تكون البخور السبعة أطلقت سحائب شفافة من دخان له رائحة نفاذة وزكية ويشرع بعض أتباع (المعلم) في الطواف بين الراقصين برايات تحمل الألوان السبعة لـ (الملوك) من اجل دعوتها النزول بين المحتفلين بها وأثناء ذلك، يأتي الدور على العرافة التي يفترض أنها اقرب الحضور القوى الخفية المدعوة النزول.

ويرتدي المريدون في هذا الطقس لباساً ذا لون خاص يرمز إلى "ملك" خاص كاللون الأبيض الذي يرمز إلى "ملك" عبد القادر الجيلالي، والأحمر إلى سيدي حمو، والأسود إلى ميمونة، والأصفر إلى الأميرة، والأزرق إلى سيدي موسى. كل ذلك استعدادا لدخول مرحلة الجذبة التي تكون مصحوبة بإيقاع صاخب ناتج عن آلات "القراقب" و "الهجهوج" و "الرش" (أي التصفيق بالأيدي).

تصل الأمور ببعض المريدين أثناءها إلى حد فقدان الوعي أو ضرب ذواتهم بأدوات حادة أو المشي فوق شظايا الزجاج.. وهو ما يعني أن (الجذاب) أو (الجذابة) وصل إلى أقصى درجات الانسجام والاندماج مع الإيقاع ومع الألوان وبالتالي دخل في عالم هو غير عالمه الحقيقي.

ويخضع المريد والتابع لشروط ولوج المحفل الكناوي منها:

- قبل الدخول إلى الفضاء الكناوي يشترط في المريد إزالة الحذاء ووضعه في مكان بعيد عن مكان "الزريبة"، التي قد تكون زاوية أو فيلا أو دار شعبية وذلك تفاديا لتلويث المكان مما علق بالحذاء.

- أن يجهر المريد بالتسليم لرجال الله وهو يقول: (التسليم لرجال الله، التسليم ليكم، التسليم، التسليم).

- يلزم على المريد تحية جميع الحاضرين في "الزريبة" فرداً فرداً أو جماعة بالتلويح بيده.

- ومقامات الجذبة متعددة تبلغ أقصاها في مقام "عيشة قنديشة". والتي يجب تخليص الروح والجسد من شرها الأسود تحضر المرأة إلى جانب الرجل والجسد في الليلة الكناوية في الانجذاب الأقصى للروح الإنسانية اتجاه مجاهلها، تنجذب الروح للتخلص من الشرور والألم يحضر الجسد عبر رقصات تموجات، انفجار لكل الطاقات الجسدية والروحية يرفع المقام صوته بأغاني تذكر بالماضي البعيد.

- إن الليلة الكناوية بإيقاعاتها ومقاماتها الموسيقية وجذبتها تفريغ للطاقات الجنسية وتحريرها في نفس الوقت من اللعنة النفسية والخمول،  إنها رياضة الجسد، حيث تتخذ الليلة الكناوية صيغة نزول أو هبوط متفاوت الإيقاع ومختلف الحركة ومتباين السرعة، نزول أو "درديبة" كما تسمى عند العارفين بأحوالها.

- يبدأ الطقس السحري باختلاج حاد يمتلك أطرافها كما لو كانت مصابة بالصرع فيفهم الحاضرون أن إحدى الملكات بدأت في الحلول في جسد الساحرة، فتزيد مساعدتها من البخور في المجامر كي لا ينقطع الدخان المحبب الرائحة لدى الملوك، في ملء الفضاء المسكون بروح الأسطورة ثم يقمن بتغطيتها بأثواب من مختلف الألوان: ثوب أسود، أصفر، أزرق إلى أن  تهدأ الساحرة فيعرفن من خلال اللون الأخير هوية الملكة التي حلت في جسد الساحرة.

- وتبدأ العرافة الكناوية في «النطق» بنبؤاتها، فتنصح هذه بأن تلبس اللون الأحمر، لأن الملك الأحمر هو الذي يعاكس سعادتها وتنصح تلك الأخرى بأن تقيم حفل الحضرة على شرف الملكة «عيشة» أو«جميلة» إن هي أرادت أن تزوج ابنتها العانس أو أن تلد مولودا ذكراً... الخ،  ثم تنتهي عملية التنبؤ التي يعتقد في أن الملكة هي التي كانت توزعها بين الحاضرات على لسان العرافة.

- وينتهي الحفل بذبح التيس أسود اللون قرباناً في ليلة الملوك ، التيس الأسود وليس غيره من قرابين الدم الأخرى هو الذي ترضى بقبوله الملوك عن طائفة كناوة وقبل أن يُذبح يقوم المعاونون بتقديم الحليب للحيوان كي يشرب منه، و يرش بماء الورد قبل أن يقطع الجزار الكناوي حنجرته فتشرب العرافة من الدم الحار المنساب من القربان ومن ثم يغمس شيخ الطريقة الكناوية أصابع يده اليمنى ويطلي بالدم جبهتها و يحمل التيس المذبوح إلى بيت شيخ الطريقة الكناوية كي يطبخ في الصباح مع كسكس «مسوس» (بدون ملح)، وسيقدم فقط لحلقة ضيقة من المحظوظين والمحظوظات الذين سيناولون بركة الدردبة وطبعاً يطبخ القربان من غير ملح لأن الجن سيأكلون منه، إذ المعروف أن الجن لا تحب الملح في معتقد المغاربة وشعوب أخرى.

- وفي الساعات الأولى من الصباح تنسحب الملوك مخابئها الأسطورية، وينسحب أتباع الطائفة طلباً للراحة بعد ليلة متعبة وينتظر الأوفر حظاً من بينهم أن يقاسموا ملوك الخفاء أكلة الكسكس، وفي ظنهم أنهم نالوا ما يكفي من الحماية من أذى عامة الجن بعد أن نالوا مباركة ملوكها السبعة.

ملوك الجن : رموز وألوان 
تتجلى في الليلة الكناوية 7 ألوان موزعة على عشر مقامات أو "محلات"كمحلة الأبيض، الأسود، الأزرق، الأحمر، المبرقش، الأخضر، ثم الأبيض والأسود، و الأبيض و الأصفر  حيث تتكرر بعض الألوان لكن داخل "محلات" مغايرة بفضائها الطقوسي وبنوع جذبتها ، (النزول) يتم داخل ألوان سبعة رمز موقع السبع التي تقترن رمزيتها بالألوان السبعة لقوس قزح المنتظمة بين عالمين في شكل قنطرة أو جسر رمزي لعبور الكائنات السماوية نحو العالم الدنيوي والسفلي وتتمتع الأعداد الفردية في الثقافة الإسلامية سواء داخل النصوص الأساسية أو في الشروحات بنوع من القدسية: - الله وتر يحب الوتر- أسماءه 99 - الصلوات و الأركان 5- السماوات7...الخ.

- المحلة الأولى لا تخصص لمناداة لاسم جن أو ملك أو إبرازه أو إظهاره، بل إنها تمهيد و تهيء بكل متطلبات التمهيد(بخور و إنشاد)(فاتحة المكان)، حيث يتمحور الكلام الطقوسي حول اسم الله المعظم و أسماء أولياءه الصالحين ، ويمنح الهجهوج الليلة الكناوية نظاما مثلما يعكسها في صيغة طقس كامل مهمته الأساسية تحويل العدد إلى إيقاع، والإيقاع إلى لون واللون إلى ملك و الملك إلى اسم والاسم إلى جسد و الجسد إلى كتابة راقصة(جذبة).

- فمثل كل فاتحة قدسية تؤدي فاتحة الليلة الكناوية وظائف الوقاية لمن سيلج عالم الجذبة في المحلات القادمة ، وتتوسط"المقدمة" أو (الطلاعة) الرحبة جلوساً و هي مكسوة بالأبيض مؤشرة بذلك على أن الجذبة ستكون جذبة أصحاب اللون الأبيض (محلة البويض) من ناحية، ومن ناحية أخرى على أن اللون المتوافق مع قدسية الفاتحة هو الأبيض.

- مع جذبة "المس" أو "التملك" تحضر محلة "الكوحل" (أصحاب اللون الأسود) بشكل فعلي ونقول بشكل فعلي لأن حضورها يبدأ داخل "فتيح الرحبة" فضمن هذه الأخيرة تتم المناداة على "بلال"رمز هذه المحلة الأكبر أو لنقل رمزها القدسي الديني. وتعتبران (لالة ميمونة) و (سيدي ميمون) من أهم ملوك جذبة الكوحل بالرغم من أنهم ليسوا الملوك الوحيدين و يشتركان  كونهما كائنين مختلطين.

- بعد مرحلة "الكوحل" أو (الخدام الأربعة)، تستعد الرحبة لاستقبال محلة الزرق المميزة بلون السماء ولون البحر (السماويون و البحريون).

- ثم محلة الحمر (أولاد بلحمر) أو( أصحاب الكرنة) حيث تتم المناداة على الملوك الحمر مثل (سيدي حمو) و (حمودة)،  يعتبر اللون الأحمر لون العنف الطقوسي، لذلك يرتبط حضوره بنشر وإسالة دم الأضحية سواء كانت قربانية (الهدايا القربانية) أو إبدالية (دم الفاعلين القربانية)، يقترن الملوك الحمر بالكرنة (مكان دبح الأضاحي) لدرجة ينعتون معها بأنهم (مالكين الكرنة) أصحابها و تتحول الرحبة إلى كرنة رمزية فالجذب يتم بخنجر أو كمية(سكين).

- بعد محلة "الحمر" يستمر النزول داخل الليلة الكناوية على أدراج محلات و ألوان و ملوك الخضر (أصحاب اللون الأخضر)، و الزرق السماويون ثم "رجال الغابة" وهم صنف ضمن محلة اللون الأسود ليستقر مآل النزول عند محلة الملوك الإناث أو "العيالات" أو "البنات" المميزة بتربع اللون الأصفر على عرش محتلها.

- مع بروز ضوء النهار الصباحي تستقر "الدرديبة"، داخل محلة لالة ميرة (الأصفر)، وتحت ظلها يحظر ملوك أنثويين عديدين مثل (لالة مليكة) المعروفة بلونها القوقي(البنفسجي) و (لالة رقية) بلونها الأحمر، و (لالة عيشة) بلونها الأسود، و (لالة مريم/الشلحة) ولالة فاطمة.

الملكة "ميرة "
إن (الملكة ميرة) في معتقد العامة جنية من الملوك تصيب النساء بلوثة الغيرة و الحسد، وبشكل خاص منهن الشابات المتزوجات حديثاً، واللواتي يغيظها جمالهن ولذلك فإن المرأة الجميلة التي لا تشعر بنفسها على ما يرام تعتبر أن أذى (ميرة) أصابها وتشجعها على الاعتقاد في ذلك (الشوافة ) أو (الطلاعة) أو  (العرافة) الكناوية في (ليلة الدردبة) وجميعها أسماء للساحرة الكناوية بحسب المناطق المغربية.

ولا تعتبر الموسيقى التي تعزف في ليلة الدربة مجرد إيقاعات راقصة قوية كما قد يبدو لغير العارف بخبايا (كناوة) بل إن المقاطع الراقصة تتوزع وفق نسق يجعل الفرقة الكناوية تعزف تباعاً الإيقاعات الخاصة بملوك الجن السبعة الذين يقدسهم أفراد الطائفة، بحيث يستطيع الممسوسون من الجن أن يجدوا ضالتهم في أحدها ، فإذا كانت إحداهن ممسوسة بأذى (الملكة ميرة) مثلاً، فان الفرقة ما أن تعزف لحن تلك الملكة حتى تنهض الممسوسة كما لو أنها مدفوعة من قوى خفية فتشرع في إطلاق ضحكات هستيرية مخيفة ثم تبدأ في الجذب المحموم مع الصراخ والتمرغ على الأرض وتطلب من المحيطين بها أن يعطوها «قاقة» التي تعني في لغة الأطفال الحلوى، فيسرعون مناولتها شيئاً حلواً، لان الملكة هي التي طلبت الحلوى (كما يعتقد) وبعد أن تسقط الممسوسة وهي تتلوى تسارع إليها معاونات العرافة لرمي غطاء من الثوب فوق جسمها المطروح أرضاً وينبغي أن يكون الثوب من اللون المفضل للملكة  التي تكون آنذاك بين الحضور (بحسب المعتقد).

بذل الأضاحي لـ ميرة
ثمة مناسبات في يومية الطائفة تستغل لإستحضار الأرواح العليا لغرض توسل تدخلها لقضاء بعض المطالب ذات الطابع السحري ، فخلال عيد الأضحى الذي يسميه المغاربة «العيد الكبير»، يعتقد كناوة في أن لدم أضحية العيد خصائص سحرية تجعلها قرباناً مقبولاً من (الملوك)، وتستغل الشوافة الكناوية (قارئة الحظ) المناسبة لأجل التقرب من ملكة الجن (لالة ميرة) كي تمنحها القدرة السحرية على النظر في عالم الغيب، فالجن بحسب المعتقد يطلعون على محتوى اللوح المحفوظ الذي دونت فيه مصائر البشر ، وتقوم عملية التقرب من ملكة الجن على مجموعة من الطقوس فيتم تبخير مكان الذبح بالبخور السبعة التي تروق روائحها للملوك، ويعد طبق من عناصر سحرية متنوعة (مواد غذائية، حناء، ماء الورد، .. الخ) فبسحب اعتقادهم يقبل الملوك على أكلها بنهم،  وبمجرد ذبح خروف العيد يقدم قليل منه حاراً للـ "شوافة" كي تشرب منه،  ويمرر أحد شيوخ الطريقة الكناوية الدمع على جبهتها وهم جلوس.

تابوت العهد المفقود

يقول الكتاب المقدس بأن الله قد نقش الوصايا العشر على لوحين حجريين وأعطاهما للنبي موسى (عليه السلام) ولحماية اللوحين والسماح بحملهما ، تم صنع وزخرفة صندوق مصنوع من خشب السنطِ بزخارف ذهبية رائعة وكان يبلغ طوله حوالي ثلاثة أقدام ونصف ويزيد عرضه قليلاً على قدمين ، و له قطبين معلقان من خلال حلقتين من الذهب على جانبيه. و نقش لإثنين من الملائكة الكروبيون (حملة العرش) فوق قمته ، أما غطاء الصندوق فكان يسمى "غطاء التكفير" أو "مقعد الرحمة". وقد رافق الصندوق موسى (عليه السلام) وبني إسرائيل في سعيهم لأرض الميعاد وكان يجلب لهم النصر أينما ذهبوا. وعندما أسسوا القدس في النهاية ، بنى الملك سليمان قدس الأقداس أو الهيكل الأول وحفظ فيه الصندوق. ويسمى هذا الصندوق المقدس ﺑ"تابوت العهد" Ark of the Covenant .

لم يحدث أن حظي أثر تاريخي بذلك القدر من نظريات المؤامرة وأساطير الكنوز كالذي حظي به ذلك الصندوق العظيم، وتقول بعض الأساطير أن تابوت العهد هذا قد دُمر أو استولت عليه القوات المصرية الغازية في حوالي عام 925 ق.م ، والبعض الآخر يقول بأن البابليين سرقوه في عام 586 ق.م. وربما قامت إحدى الجماعات اليهودية التي كتبت مخطوطات البحر الميت بدفن تابوت العهد في الصحراء الأردنية قبل أن يهربوا منها. وبالمثل قيل بأن مجموعة مسيحية مبكرة تسمى كاثرس ربما أخفت تابوت العهد في كنيسة قديمة في رين لو شاتو بفرنسا قبل أن يتم القضاء عليهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، وحتى الملك آرثر نال قسطاً في قصة تابوت العهد ، وفي حين يدعي كثير من الباحثين بأن فرسان الهيكل أخذوا تابوت العهد من الأراضي المقدسة وقيل بأنهم ربما أخفوه في منجم بجزيرة أوك آيلاند أو حتى في الكنيسة الاسكتلندية في روسلين تشير بعض نظريات المؤامرة إلى أن الماسونيون (أحفاد فرسان الهيكل) يمتلكون تابوت العهد وهي تحت سيطرتهم الآن.

تابوت العهد في القرآن الكريم 
ورد ذكر تابوت العهد في القرآن الكريم وتحديداً في سورة البقرة الآية رقم 248 :"وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ".

- الملك المقصود في هذه الآية هو الملك طالوت وكانت العلامة الدالة على ملكه هي أن يعيد تابوت العهد لبني إسرائيل ، ونستدل من ذلك أن التابوت كان غائباً أومفقوداً، وتدل الآية الكريمة أيضاً على أحتواء التابوت لآثار تركهاآل موسى وآل هارون وهي آثار عظيمة نظراً لأنها محمولة من قبل الملائكة كما جاء في الآية ، ولكن جاء الملك طالوت ليعيده من من ؟ ، بالطبع ليعيده من يد الأعداء ، إذ كان التابوت رمز قوتهم وإعتزازهم ووحدتهم لما يضمه من آثار مقدسة توحد إيمانهم وتؤلف صفوفهم ، وهذا واضح من الآية : "أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم" ، ومن الطبيعي أن يدرك العدو أهمية ذلك التابوت فيقوم بانتزاعه منهم ليدمر روحهم المعنوية وهذا ما حصل.

- أما عن الآثار الموجودة داخل التابوت فيرجح أنها تشمل عصا موسى ،وذلك أمر معقول لأنها أداة من أدوات معجزة موسى عليه السلام. ألم تكن هي المعجزة التي انقلبت حية تسعى وابتلعت بسرعة ما صنعه السحرة ؟ ، كقوله تعالى : "وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا" ، آية 69 - سورة طه، إن مثل هذه الأداة المعجزة لا يمكن أن يهملها موسى، أو يهملها المؤمنون به بعد ما حدث منها. وفي سورة طه - الآية 17، 18 يقول الله تعالى:" وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها " وذلك يشير إلى أهميتها.

نظريات حول مكان تابوت العهد
في الواقع توجد هناك العديد من النظريات والقصص الغامضة التي تناولت تابوت العهد. ولكن سنسلط الضوء على أكثر النظريات قبولاً:

1- القدس القديمة - فلسطين
لين ريتماير هو عالم آثار قام بإجراء اختبارات على جبل الهيكل في القدس ويُعتقد بأنه قد عثر على الموقع الحقيقي للمعبد الأول ويدعي لين ريتماير أنه اكتشف قطعة من صخور الأساس التي تطابق أبعاد تابوت العهد تماماً ومن هذه النقطة يعتقد أن ربما كان تابوت العهد مدفوناً على عمق كبير داخل جبل الهيكل ، ولكن يبدو من المستحيل القيام بأعمال الحفر في المنطقة خاصة أنها لا تزال موقع لاضطرابات سياسية عنيفة .

-  ولا يخفى علينا هنا محاولات الإسرائيليين المستمرة في التنقيب في أساسات المسجد الأقصى بهدف إيجاد تابوت العهد أو نقول بـ "حجة" إيجاده لهدم المسجد الأقصى نفسه وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه الذي يزعم اليهود أنه كان في نفس مكان المسجد الأقصى. ويعتقد أيضاً عدد آخر من من الخبراء أن تابوت العهد لا يزال موجوداً في الأرض المقدسة ، حتى أن هناك رجل أمريكي يُدعى رون واي زعم أنه عثر على الصندوق المقدس في مقبرة في حديقة جاردن تومبت في شمال مدينة القدس القديمة.

2- أكسوم -  أثيوبيا (الحبشة)
كنيسة تابوت العهد - أكسوم - أثيوبيا
لعل أكثر النظريات شهرة والتي تقول بأن تابوت العهد هو حقيقة هي تلك النظرية التي أتت من غرب أفريقيا. حيث أن هناك أسطورة في أثيوبيا تزعم بأن ملكة سبأ قد حملت من الملك سليمان ثم ولدت الطفل المعروف باسم مينيليك والذي يعني (ابن الحكيم) ، وعندما أصبح في اﻠ(20) من عمره سافر إلى القدس للدراسة في محكمة والده. وفي غضون عام أصبح كهنة سليمان غيورين من ابن الملك وقالوا بأنه يجب عليه أن يعود إلى سبأ ، وقد قبل الملك سليمان بهذا الأمر إلا أنه قال بأنه ينبغي على جميع الأبناء البكر للشيوخ الآخرين أن يصطحبوا مينيليك ، وكان أحدهم يدعى آزاريوس وهو ابن رئيس الكهنة المدعو زادوق.

- وكان آزاريوس هو من قام بسرقة تابوت العهد وذهب به إلى أفريقيا. وقد قرر مينيليك أن نجاحهما يجب أن يكون بالإرادة الإلهية ثم أسس (القدس الثانية) في (أكسوم) بأثيوبيا. ويقال اليوم بأن كنيسة سانت ماري الصهيونية القديمة تأوي تابوت العهد فنشأ تقليد للإحتفال في شهر يناير من كل عام بمهرجان يعرف باسم (تيمكات). وفي السنوات الأخيرة ونظراً لعدم الاستقرار في البلاد ، أخفي تابوت العهد بعيداً عن الأنظار تحت رعاية حارس نذور وهو الرجل الوحيد الذي سُمح له بمعرفة الطبيعة الحقيقية للصندوق. وبالتأكيد هناك الكثير مما يدعم هذه النظرية - على سبيل المثال – يعتبر الأثيوبيين هم أحد السلالات القليلة التي تمارس الطقوس المسيحية في أفريقيا ، وقد قضى الدستور الوطني هناك بأن الإمبراطور الأثيوبي هو أحد الأحفاد المباشرين للملك سليمان. كما أن الأثيوبيون واثقون من دورهم في تراث تابوت العهد ،الصورة تبين كنيسة تابوت العهد في أسكون - أثيوبيا.

- نظراً  لوجود الكثير من الأساطير التي تتنافس للكشف عن المثوى الأخير لتابوت العهد ، فإنه من المستحيل اتخاذ قرار بشأن إحداها. وتعتقد العديد من الجماعات الدينية بأن مكان تواجده سيعرف عندما يحين الوقت. أما بعض المسلمين فيعتقدون بأنه لم يعد لتابوت العهد وجود على الأرض بعد أن رفعته الملائكة إلى السماء والله أعلم.

تابوت العهد والإشعاعات الذرية
غلاف كتاب علامات الآلهة للمؤلف إيريخ فون دانيكن ، يتحدث عن آلة تصدر آثار إشعاعية في تابوت العهد
يقول العلامة السويسري (ايريخ فون دينيكن) Erich von Daniken في كتابه "علامات الآلهة" Signs Of Gods انه قد استرعي اهتمامه ما قرأه عن تابوت بني إسرائيل , فقد قرأ في كتبهم القديمة بأنهم كانوا حريصين على حمل هذا التابوت معهم في كل معركة يخوضونها في حروبهم , وأنهم كانوا ينتصرون (كما يقولون) على أعدائهم طالما كان التابوت معهم في المعركة وبأنهم كانوا ينهزمون إذا لم يكن معهم , وقرأ كذلك بأنهم كانوا يحفظون التابوت في هيكل خاص بنوه لهذا الغرض فوق تلة في مكان بعيد عن الناس وبأن هذا الهيكل كان خاضعاً للحراسة المشددة ليلاً نهاراً وكان دخول الهيكل اأو الإقتراب من التابوت يقتصر على الكهنة المكلفين بذلك وقد استرعى انتباهه الشديد ما قرأه بأن كل من اقترب من التابوت بدون اتخاذ احتياطات معينة (كانت توصف آنذاك بالطقوس) فانه يتعرض لأمراض غريبة وخطيرة ويكون الموت المحتم من نصيبه بعد أيام قليلة !

- يرى (ايريخ فون دينيكن) بأن وصف هذا المرض ينطبق تماماً على ما يحصل للإنسان عند التعرض للإشعاعات الذرية الخطيرة والمميتة كما حدث لضحايا القنبلتين النوويتين اللتان ألقت بهما الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين خلال الحرب العالمية الثانية ، كما لفت انتباهه كذلك وصف "الطقوس" التي كان الكهنة يتبعونها عند اقترابهم من التابوت حيث يعتقد (ايريخ فون دينيكن) أنها لم تكن سوى احتياطات للوقاية من خطر الإشعاعات النووية.

فكان واضحاً لـ (ايريخ فون دينيكن) أن ما بداخل التابوت هو مصدر لإشعاعات خطيرة ومميتة فما هو هذا المصدر ومن أين جاء؟ أخذ المفكر السويسري على عاتقه محاولة حل هذا اللغز ولكنه كما يقول واجهته صعوبات جمة عند دراسته للموضوع فالكنيسة الكاثوليكية دأبت منذ القدم وحتى الوقت الحاضر (بحسب ما يقول) على طمس وإخفاء بل والتخلص من كل ما لا يتوافق مع رواياتها الرسمية للأحداث فكان يبحث عن الكتب والمخطوطات في الأماكن التي لم تصل إليها يد الكنيسة الكاثوليكية مما اضطره لإتباع أسلوب المحققين في البحث الجنائي عند تحقيقهم في جريمة ما وبحثهم ودراستهم للأدلة التي يعثرون عليها واستخلاص النتائج منها , وبدون الخوض في هذه الأدلة والتفاصيل التي ذكرها في كتابه عن هذا الموضوع فقد توصل إلى ما يلي :

"لقد كانت العلوم في الزمن القديم متقدمة جداً أكثر بكثير من تقدمها في زمننا هذا, وقد اندثرت هذه العلوم والحضارة التي أنجزتها بسب كارثة حلت بالأرض في الزمن القديم (طبعاً كلام يحتاج إلى دليل كاف !), وقد بقي بعض أثار هذه الحضارة بعد هذه الكارثة ومنها بعض العلماء القليلين وبعض الآلات التي ذكرت في الكتب القديمة , وما كان بداخل هذا التابوت فهي آلة تستخدم النظائر المشعة لإنتاج المن والسلوى من الهواء , وهى الآلة التي كان يحملها اليهود معهم في ما يشبه التابوت في تيههم الذي دام أربعون عاماً في الصحراء والتي لولا لطف الله وهذه الآلة لماتوا جوعاً وعطشاً في تلك الصحراء القاحلة وقد بقيت هذه الآلة يحتفظ بها بنوا إسرائيل في ما يشبه التابوت ( ليستطيعوا حملها معهم في حروبهم بسهولة ) ويحرصون عليها ويتبركون بها ويبنون لها الهيكل للحفاظ عليها ولمنع الناس من الاقتراب منها والتعرض لإشعاعاتها ".

- وأكيد فان من صنع تلك الآلة قد صنعها من المتانة بحيث تعيش للآلاف السنين فالنظائر المشعة تبقى تشع لآلاف السنين فأين هي هذه الآلة ألان ؟ ، يمضي (ايريخ فون دينيكن) في تنقيبه عن مصير هذا التابوت فيقول بأن بعد أن ذهبت الملكة بلقيس لزيارة الملك سليمان (عليه السلام) تزوجها وبقيت عنده فترة ثم رجعت إلى مملكتها في الحبشة واليمن وقد رزقت منه بابن ثم إنها وبعد أن كبر ابنها وأصبح يافعا بعثت به إلى فلسطين لزيارة والده وليخبره عن رغبة أمه في الحصول على ذلك التابوت فأجابه أبوه بأن ليس لديه مانع في ذلك ولكنه في نفس الوقت ليس في استطاعته تلبية هذه الرغبة علناً لان بنوا إسرائيل لن يقبلوا أبداً بفكرة التخلي عن التابوت وسيقتلون كل من يحاول الاستيلاء عليه مهما كان شأنه حتى لو كان ابن الملك نفسه ولكن في استطاعة الابن تدبير خطة لأخذ التابوت على مسؤوليته وسيدعي الملك بعدم علمه ومعرفته بما يخطط له الابن وهنا نصل إلى معلومة أخرى مهمة وهي أن الملك قال لابنه أنه في حالة نجح الابن في الاستيلاء على التابوت فان حراس التابوت سوف يلاحقونه وقد يعترضون طريقه ولذلك فقد قدم لابنه " مركبة طائرة " من المراكب القليلة التي مازالت متبقية ليستعملها في نقل التابوت إلى الحبشة وحتى لا يستطيع الحراس اللحاق به , وكان الأمر كذلك فقام الابن بتكليف أحد النجارين بصنع تابوت مطابق للتابوت المطلوب ثم اختار إحدى الليالي التي كان اليهود يحتفلون فيها بإحدى أعيادهم وتسلل مع رفاقه في غفلة من الحراس السكارى واخذ التابوت وفر به على متن المركبة الطائرة إلى الحبشة بعد أن وضع التابوت الأخر مكانه حتى لا ينكشف الأمر بسرعة ، ولكن يقول الكاتب :"هناك الآن من الأجهزة العلمية ما يمكن بواسطتها البحث عنه وتتبع الإشعاعات الصادرة عنه , هذا إذا سلم من أيدي الكنيسة الكاثوليكية في فترة إحتلال ايطاليا للحبشة في القرن الماضي , وحتى لو استطاعت الكنيسة العثور عليه فسيكون من الصعب جداً التخلص من تلك الآلة التي صنعت لتدوم آلاف السنين وقد تكون الآلة الآن في احد أقبية الفاتيكان بروما وفي جميع الحالات ففي استطاعة الأمم المتحدة بدعم من الدول الكبرى أن تقوم بعملية البحث عن تلك الآلة لو أرادت ذلك فهي أكيد مازالت موجودة في مكان ما إما في احد كهوف الحبشة أو في حوزة الفاتيكان".

المصادر 
- Top 100 World Mysteries 
- Signs of Gods - Erich von Daniken
- Wikiepedia 
- Boing Boing
- http://www.wnd.com/?pageId=63998
- نور الله 
- Legendary Times Books

دور العقل في الماروائيات

 الحرمان الحسي

إن الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم لفترات طويلة أو الذين يؤدون مهام متكررة يمكن أن يجدوا أنفسهم فجأة عرضة للهلوسات التي تشبه ما يحدث في الظواهر الماورائية.  ومن أكثرها شيوعاً هو الظهور المفاجئ لـ " شركاء طيفيون " أو حتى متجسدين بوضوح ويمكن أن يصاحب ذلك سماع أصوات أو لمسات لطيفة أو شم روائح أو حتى تذوق .

الأسباب
لطالما أدرك الباحثون الفيزيائيون دور الحرمان الحسي في الماروائيات ، إذ بينت التجارب في المختبرات أن حرمان أو إضعاف حواس الإنسان كحاسة البصر والسمع يساهم في تعزيز القدرات النفسانية التي توصف بأنها "خارقة".  وفي تجارب (غانزفيلد)  استخدم شكل خفيف من الحرمان الحسي وأسفرت عن نتائج "إيجابية" لا يستهان بها في اختبارات متعلقة بالمدركات الحسية الفائقة ESP  أو ما يسمى بـ " الحاسة السادسة " .

للحرمان الحسي أيضاً قدرة على توليد معلومات حسية زائفة ( خاطئة ) تشبه ما يرد في وقائع التجارب الماورائية وذلك عندما يكون الشخص معزولاً عن الآخرين ، وتعتبر حالة  "الإحساس بوجود أحد " والتي نوقشت في مقال سابق من هذه السلسة شكلاً خفيفاً من إضعاف الحواس ،  بينما يعتبر الشكل الأشد منه هو ردة الفعل التي تظهر بشكل هلوساتوهلوسات مضللة (هلوسات يدرك الشخص أنها غير حقيقية).

ويمكن أن تأتي الهلوسات بمجال واسع من الأشكال المتباينة في شدتها ، إذ يمكن أن تكون سمعية أو لمسية أو بصرية أو شمية أو خليطاً منها،  ويمكن أن تكون ناجمة عن جملة واسعة من الظروف وليس فقط بسبب الحرمان الحسي وحده ، فقد تكون ناجمة عن المخدرات أو  المرض (سواء أكان عضوياً أو نفسياً ) وما إلى ذلك ، ولن يناقش هذا المقال الأسباب الأخيرة المذكورة.

ويمكن للحرمان الحسي الذي يتخذ شكلاً من الشعور بالوحدة ، الجوع ، التعب ، الأعمال الروتينية أو المرض أن يؤدي إلى حالات مغايرة من الوعي بحيث تبدو معها أحلام اليقظةوالهلوسات حقيقية جداً في الواقع ، ويمكن أن تقود ظروف العزلة التامة أو الحرمان الحسي الكامل إلى هلوسات أكثر شدة وعدداً وتنطوي على مشاهدة أضواء وماضة أو رؤية مشهد كامل ومتخيل لمنظر طبيعي أو حضور واختفاء أناس طيفيون أو كائنات خارقة للطبيعة .

وقد استفادت بعض الديانات من فكرة الحرمان الحسي بغية إحداث ظاهرة ماورائية أو خارقة ، على سبيل المثال يمكن لظروف العزل الإجتماعي (مثل حالة الرهبان والنساك) ، والتجويع والقيام بأمور متكررة ( الهتاف ، الصلوات الطقسية ، التعداد ) أو الرقص الإيقاعي أو التأمل أن يُحدث حالات مغايرة من الوعي أو الإدراك يصدق فيها الشخص أن ما يحصل معه هو " تجربة إلهية " .   

صلة بالماورائيات
تعتبر الهلوسات المضللة أثراً جانبياً شائعاً من حالة الحرمان الحسي خصوصاً إن كانت مترافقة مع التعب ، أو تحدث للأشخاص الذين يقضون فترات طويلة من الزمن لوحدهم مثل الغواصين في أعماق سحيقة من البحار أو المستكشفين أو السائقين لمسافات طويلة أو الرهائن المحتجزين أو متسلقي الجبال أو راكبي اليخوت ، إذ تجد نسبة كبيرة من الأمور الماروائية التي تحصل لأولئك الأفراد المتواجدين لوحدهم.

السائقون بمفردهم عرضة لتلك الهلوسات على وجه خاص حيث يوجد مجال واسع من الظواهر له علاقة بالسائقين الذين يقودون شاحناتهم أوسياراتهم ليلاً بمفردهم ومنها ظاهرة الأشباح والإختطاف من قبل المخلوقات على سبيل المثال لا الحصر.

والذين يمشون بمفردهم يبلغون أيضاً عن مشاهدتهم لـ أشباح كلاب سوداء ، أو سيدات متشحات بالبياض وغيرها من الأشباح ،  ويجد أحياناً متسلقي الجبال والغواصين وراكبي اليخوت والمستكشفين والرهائن المحتجزين أنفسهم برفقة شركاء متجسدين بشكل واضح جداً رغم علمهم بعدم وجودهم في الحقيقة.

أمثلة
- " كان ( جوشوا سلوكوم ) بحاراً يسافر لوحده ، وفي إحدى المرات كان يبحر فأصيب بدوار البحر في منتصف طريق رحلته في شمال المحيط الأطلسي ولم يكن بوسعه أن يترك حجرة القيادة لعدة ساعات ، وعندما هبت العاصفة ظهر له شبح ربان وأخذ منه دفة القيادة ، وجرت محادثة طويلة بين (سلوكوم) وهذا الشبح الذي أخبره بأنه كابتن إحدى سفن (كريستوفر كولومبوس) مكتشف القارة الأمريكية في عام 1492 ".

- كان مدرب الغوص (إيان سكينر) يغوص قبالة جزيرة مالطة عندما رأى ضوء أمامه ، ويقول في ذلك : " رأيت ضوء أمامي وكنت أنسحب إليه مدفوعاً بسبب فضولي وكأن قوة مجهولة تدفعني نحوه، وعند الحافة القادمة وبعيداً في الأعماق رأيت امرأة شابة وجميلة جداً ، كانت طويلة ونحيفة وجذابة بقوامها ، كانت تقف عند مدخل كهف كبير ... ظننت أنني أعاني من خدر النتروجين .. ثم قالت لي: " مرحباً .. أنا بانتظارك لا تخف ، أنت في أمان معي ."  ، لكنني تراجعت بينما كانت تبتسم ، فمشت نحوي ومسكت يدي ، كانت دافئة وأحسستني بالطمأنينة ، فزال خوفي"، وقالت لي : " عندما تعود إلي سأكون بانتظارك لتبقى معي للأبد ، ولدي هدية لك " ، ثم سلمتني جرة صغيرة تشبه أمفورا (جرة بشكل قارورة ضيقة ) وعندما صعدت للأعلى رأيتها تلوح لي وهي تتلاشى ببطء من المشهد ".

تجارب واقعية
سبق لموقع ما وراء الطبيعة أن نشر تجارب لأشخاص كانوا بمفردهم ليلاً في رحلة سفر وشهدوا أموراً غريبة قد تكون ناجمة عن حالة الحرمان الحسي المذكورة أعلاه ومن تلك التجارب نذكر :

- مواجهة مع شبح على طريق سفر 
- مع مجهول في المقعد الخلفي

فتح المندل 
هناك ممارسة في المجتمعات العربية ما زالت قائمة وإن بشكل ضيق تدعى فتح المندل يتعرض فيها طفل ( أو غير بالغ ) لظروف الحرمان الحسي بهدف أن يرى ما يتراءى له في فنجان من الحبر السلطاني والزيت ، والسؤال هنا : فهل ما يراه الطفل هلوسات بصرية ناجمة عن ظروف الحرمان الحسي أم أن لها تفسيراً ماورائياً يتدخل فيها الجن بحسب الثقافة الشعبية ؟ 
 
منقول

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites